Saturday, August 17, 2013

التلاشي - قصة قصيرة

"أخيراً"، صيحة أطلقها العالم بارتياح مطلقاً زفرة حارة معلناً اكتمال عمله. بعد سنوات طويلة من البحث العلمي استخدم فيها ذكاءه كي يصل إلى أهم اختراع في تاريخ البشرية، آلة الزمن. بدأ بالبحث منذ سنوات طويلة، حفزه بها كراهيته إلى ما وصل إليه الجنس البشري للتداعي الاجتماعي والأخلاقي وعدم اهتمامهم بإنقاذ الكوكب الذي يقتلونه بحروبهم وغرورهم. وحينما أنهى الجزء النظري من اختراعه بدأ العمل على الجزء العملي، وهو صناعة آلة تستطيع نقله إلى زمن لا يوجد به بشر، يستمتع فيه بجمال الكوكب بطبيعته بدون إفساد. وحالما انتهى من اختباراته على الآلة وقف ينظر إليها بزهو وفخر، بل وحميمية. إنها ما ستخلصه من هذا الغباء المحيط به. أعد العدة وأخذ يجهز ما يكفي من الطعام والشراب والأدوات لرحلته عبر الزمن واختار اليوم المناسب لرحلته، منهياً كل ارتباطاته وتعاملاته. وجلس في آلته يشعر بالتوتر، لكن غلبه فضوله العلمي لما سيراه، بدأ يضغط أزرار الآلة، ومدها بأقصى طاقة ممكنة ليعود بالزمن  للوراء، تحديداً إلى منذ 370 مليون عام. ضغط زر البدء متوتراً، لتنطلق الآلة في رحلتها وتتلاشى من زمننا لتعود إلى الماضي. أخذ ينظر للعلامات الحيوية بالآلة ليعلم إن كان الهواء بالخارج صالحاً للتنفس، وأخبرته الآلة فعلاً أنه كذلك، وأن ثمة نباتات لكن لا توجد أية حياة حيوانية على اليابسة. خرج من الآلة وأخذ شهيقاً عميقاً، ليتلوه بابتسامة عريضة واحساس بالفخر، أخيراً تحقق حلمه ليحيا على الكوكب بدون بشر. نظر حوله فوجد أنه قرب شاطئ البحر، أخذ يسير على الشاطئ مستمتعاً بالجمال الأخاذ، كم يحب البحر! كم يعشق لونه المشابه للون السماء. وأثناء سيره متمعناً بأفكاره، أحس أنه دهس شيئاً طرياً، نظر تحت قدمه فوجد كائناً برمائياً، يشبه الأسماك لكنه يتنفس الأكسجين من الهواء وكان خارجاً من البحر حينما تم دهسه. وفجأة نظر إلى يديه ليجدها تبدأ بالتلاشي، فأطلق ضحكة عميقة ساخرة وهو يتذكر الشذرات التي قرأها بالبيولوجي، حتى تلاشت ضحكته، وتلاشى هو كلياً. تمت.

Thursday, August 15, 2013

رحلة عوضين - قصة قصيرة - الحلقة الثانية

أفاق عوضين وكان الوقت مساءً، وكانت الشمس قد مالت للمغيب، حاول أن يتذكر ما حدث، لكن منعه ألم قوي برأسه، تحسس جبهته برفق، فشعر كأنما ثمة ألم ناتج عن حرق في منتصف جبهته تماماً. حينها بدأ يتذكر ما حدث، الكائن، وأصبعه الذي لمس جبهته، وكيف كان يسيطر عليه ويعرف اسمه ويحدثه بدون أن يصدر صوتاً. حاول عوضين أن يقف على قدميه بصعوبة بالغة، ونجح أخيراً بالوقوف بعد عدة محاولات. ألقى نظرة على الحفرة، فلم يجد شيئاً. وكاد هذا أن يفقده صوابه، أين ذهبت تلك المركبة اللامعة وهذا الكائن الغريب؟! هل جن وفقد عقله؟ مثل كل أهل قريته يعرف تلك القصة عن كمال أفندي الورداني الذي كان مدرساً بأحد مدارس البندر وفي يوم ما فقد عقله وأصبح يرى أشياء ويكلم أشخاص لا يراها غيره وانتهى به الأمر كأحد سكان مستشفى المجاذيب. نفض عن نفسه تلك الأفكار سريعاً، وسار متهالكاً عائداً إلى داره متأخراً عن موعد عودته اليومي. وحين وصوله وجد زوجته القلقة في انتظاره، لم يبالي بسؤالها عن تأخره ولا عن سر ذلك الحرق في منتصف جبهته، كيف يجيبها وهو لا يعرف ماذا حدث بالضبط، اتجه إلى فراشه لينعم بالنوم بعد هذا اليوم الغريب. وأثناء نومه رأى حلم عجيب، رأى نفسه كقائد سفينة فضائية ضخمة كل من فيها يشبهون ذلك الكائن الذي رآه في حقله، وهو يصرخ فيهم مكلفاً إياهم بأعمال عدة، بلغة لم يفهمها حينها. وفجأة ارتجت السفينة الفضائية عقب انفجار ضخم وقع واشتعلت النيران في كل مكان... استيقظ عوضين صارخاً في انزعاج والعرق ينسدل من على جبهته فشعر بألم مكان الجرح. قام من فراشه ليتوضأ ويصلي وينطلق إلى أرضه مثلما يفعل كل يوم.
مضت الأيام حتى قارب عوضين على نسيان هذه الأحداث، حتى جاء اليوم الذي تغيرت فيه حياته كلها. كان أحد أيام الشتاء، وكان قد عاد من حقله وجالساً بداره متدثراً ليشعر بالدفء ويستمع للمذياع كعادته، صوت المذياع كان منخفضاً، وشعر عوضين بالكسل والإرهاق فلم يقو على الذهاب للمذياع الكبير بوسط الدار كي يرفع الصوت قليلاً، وتمنى بداخله أن يرتفع الصوت... وكانت المفاجأة، أن الصوت أخذ بالارتفاع في الحال. شعر عوضين بالذهول، لكنه علم أنه من فعل هذا، فأخذ يتمنى بداخله أن ينخفض صوت المذياع، وهذا ما حدث، وانخفض الصوت. ارتعب عوضين من تلك القدرات الجديدة التي لم يسمع عنها من قبل، وعادت ذاكرته إلى تلك الأحداث بحقله... وشعر أن ثمة علاقة بين لمسة اصبع هذا الكائن لجبهته وبين قدراته الخارقة الجديدة. فقام بفضوله يجرب، نظر إلى كوب الشاي الفارغ وتمنى أن يأتيه، بالبداية لم يحدث شيء، ضاعف عوضين من تركيزه، فارتفع الكوب في الهواء ببطء متجهاً ناحيته، أصاب عوضين الهلع مما يستطيع فعله وفقد تركيزه فسقط الكوب الزجاجي متحطماً على أرض الدار. أخذ عوضين يفكر، ما الذي يحدث، ولماذا أصبحت لديه هذه القدرات الخارقة؟ وفجأة جال في عقله خاطر ما، ماذا لو علم أحد بما يمكنه فعله؟ فأقسم بينه وبين نفسه ألا يعلم أحد بما يحدث له أبداً، لئلا يكون مصيره كمصير كمال أفندي.  

Wednesday, August 14, 2013

الدوائر اللعينة



هي بحق دوائر لعينة نحياها هذه الأيام، سبق وأن تكلمت عن نظام مبارك الغاشم وطالبت بثورة ضده ببدايات عام 2010، حيث كانت كل الإشارات تدل على أن هذا النظام أصبح كله فاسداً بدون ذرة مصداقية واحدة أو أقل اهتمام ممكن بالشعب الكادح الذي يعاني ليل نهار لكي يجد فقط قوت يومه! وقامت ثورة 25 يناير، التي أفخر بأني شاركت بها (ولو متأخراً قليلاً لعدم تصديقي أول وهلة أنها ستكون بهذا الحجم، وظننتها مجرد اعتصامات صغيرة مثل ما حدث بالمحلة الكبرى قبلها). على أي حال، قامت الثورة وأخذنا نهتف ضد مبارك، وحافظنا على سلمية الثورة خاصة بعدما حدث يوم 28 يناير (الذي حضرته بنفسي بمدينة المنصورة) من أحداث عنف من الشرطة ضد المتظاهرين السلميين، أذكر من أحداث ذلك اليوم أنني كنت أنتظر بدء المظاهرة من أمام مسجد كبير بالمنصورة بعد صلاة الجمعة مباشرة، وأذكر في مسيرتنا أن شخصاً أخذ يجمع حجارة من على الأرض فنهرناه وقلنا إنها مظاهرة سلمية ولن نلجأ للعنف، مررنا بجانب مديرية أمن المنصورة وكان ثمة عدد مهول من سيارات الشرطة المصفحة وعدد ضخم من عساكر الأمن المركزي يحمون مديرية الأمن فتقدم بعض الكبار بالمظاهرة للتسليم على عقيد الشرطة المسؤول عن تأمين المديرية واحتضنوه وقبلوه، ثم اكملنا مسيرتنا تجاه المحافظة حيث تجمعنا وفتحت النيران علينا واستشهد واحد منا وأصيب الكثيرين، كان الضرب علينا غير مبرر تماماً، لكن أسلوب تعامل حاملي السلاح التابعين للدولة هو أسلوب واحد لا يتغير "القوة الغاشمة" في التعامل مع الخصم، حتى وإن كان أعزل من السلاح.
ثم تسلم الجيش زمام الأمور، وقلنا ربما يقودنا في مرحلة انتقالية، ولا يبغى السلطة، بعد أيام قليلة وقعت أحداث دير الأنبا بشوي، حينها صرخت  بأعلى صوتي "يسقط يسقط حكم العسكر" أعتقد أنني كنت من أول من قالها بفبراير 2011، حيث كانت نغمة "الجيش والشعب إيد واحدة" تعزف على كل لسان. واتهمني الكثيرون بالخيانة والعمالة وأنني أفتت البلد وأسعى للفتنة! لا بأس، فبعد أشهر قليلة وجدتهم يقولونها معي!
اضطرت السلطة العسكرية المتمثلة بالمجلس العسكري بوضع قانون الأحزاب، والمادة رقم 3 من قانون الأحزاب تمنع قيام الأحزاب على أساس ديني، لكننا وجدنا أحزاب مثل الحرية والعدالة وحزب الأصالة وحزب البناء والتنمية، كلها أحزاب أجندتها دينية بامتياز! ومع ذلك صارت رسمية ومتواجدة على الساحة، فيما يبدو أنها صفقة مع المجلس العسكري.
وتلى هذا قيام الانتخابات الرئاسية، التي عانينا فيها جميعاً انسحاب الدكتور محمد البرادعي لأنه بفكره الثاقب رأى أنها مهزلة، لا يمكن وجود انتخابات رئاسية بدون دستور، وعانينا أيضاً خسارة أفضل المرشحين، حمدين صباحي وخالد علي، لنجد أنفسنا أمام مرشحين اثنين كلاهما يهدد بالعنف، الفريق أحمد شفيق الذي قال في أثناء جلوسه مع رجال أعمال برجوازيين (وقد نقلت رويترز كلماته) أنه سيستخدم القوة الغاشمة لإعادة الأمن للشارع حال توليه الرئاسة (لم لا؟ فهو عسكري على أية حال، ولا يفكر إلا بتلك الطريقة). وآخر، هو الدكتور محمد مرسي، الذي هدد بإحراق الشارع حال عدم توليه الرئاسة، لأن الانتخابات وقتها - برأيه - ستكون مزورة، وللأسف الشديد عدد من القوى الثورية كان سيساهم معه في إحراق الشارع نكاية في تولي أحمد شفيق الرئاسة، كما انتخبوه أيضاً نكاية في أحمد شفيق بعدما كان عدد منتخبيه جميعهم 5 مليون، صاروا فجأة 12 مليون.
منذ تولي محمد مرسي توالى الفشل، فشل سياسي وفشل اجتماعي وفشل اقتصادي، لم يكن يسعى إلا في تثبيت جماعته الفاشية المنحرفة في السلطة، ووضع جميع أعضاءها بالحكومة سواء كوزراء أو مساعدين أو مستشارين، مشروع النهضة الذي وعد به هو وجماعته ليس له وجود أصلاً، استخدموا أبواق نظامهم من مشايخ السلطة المأجورين في القنوات الدينية لتكفير المعارضة والتهديد بقتلها بل وتعليق كل فشل مرسي وحكومته على كلمة هلامية مطاطة وعدو خفي يدعى "الفلول". وساهم بإخراج طنطاوي وزير الدفاع السابق وسامي عنان مساعده وقائد الجيش الميداني السابق خروجاً آمناً وهما المسؤولان بشكل رئيسي أو حتى بشكل سياسي عن الأحداث الدامية التي وقعت بماسبيرو ومجلس الوزراء ومحمد محمود وما حدث ببورسعيد من تواطئ أمني وقتل الكثير من الشباب مشجعي الكرة ببورسعيد التابعين لألتراس الأهلي. والأكثر من الخروج الآمن هو تثبيت وضع الجيش بالدستور الإخواني من ميزانية سرية لا يمكن مناقشتها! وكانت النتيجة هي حملة تمرد التي أعلنت التمرد ضد مرسي وحكمه وحكومته وعلى الأخص "جماعته"، كنت معترض أولاً على حملة تمرد لأني أعلم الطريق الذي سيقود إليه، ثورة يعود على أثرها العسكر إلى الحكم بشكل المنقذ المنحاز إلى الشعب!
وكان في ظني أن الضغط الشعبي على محمد مرسي بشكل يجعله يخضع هو الأمر الوحيد الممكن، لكن للأسف، تدخل الجيش بالصورة، وتم تعيين رئيس المحكمة الدستورية الجديد رئيساً "صورياً" للبلاد. لكن الحاكم الحقيقي الذي يلقي البيانات وتهتف الجماهير باسمه هو وزير الدفاع!
واليوم، إذ بدأ فض اعتصام رابعة، نجد أنفسنا في مأزق! والسؤال المطروح هنا، هل كان يمكن تفادي استخدام كل تلك القوة الغاشمة في فض الاعتصام؟ أجل، كان من الممكن جداً برمضان، منع دخول الطعام والمياه إلى المعتصمين في رمضان يعني أن تخور قوتهم بعد أيام قليلة ويعلنوا عن استسلامهم ورحيلهم لأن لا توجد مقاومة مع الجوع والعطش، واستسلامهم يعني انكسارهم وتخليهم عن فكرة المقاومة والاعتصام! كان هذا سينقذ أرواحاً كثيرة وأنهار من الدماء أهدر بعضها اليوم، وسيهدر الكثير مثلها بأيام كثيرة قادمة! عدم فعل هذا والسماح بدخول الطعام والشراب والدواء والسلاح والطوب والزلط والأسمنت وأدوات البناء بل وحمامات السباحة التي رأينا صورها جميعاً في "رابعة بارك" بأيام عيد الفطر، لا تسمى إلى تغذية متعمدة للإعتصام، والخطة واضحة وضوح الشمس، إن تم فض الاعتصام في بدايته فسيكون هذا أمراً سهلاً ويسيراً، وسيصعب على الجيش تبرير فرض سيطرته على كل البلاد، لكن تحويل الإخوان إلى وحش يهاجم كل شيء، هو المطلوب، حتى يرتمي الشعب في أحضان السلطة العسكرية كالمنقذ الوحيد لحياتهم والموفر لهم الأمن، وغباء الإخوان ساهم في سيرهم على هذه الخطة ببراعة متقنة، إذ بدأ الاخوان بالفعل بحرق بعض الكنائس والمحال والمدارس المملوكة للأقباط والمسلمين بمحافظات عديدة مع اقتحام أقسام الشرطة وذبح بعض الضباط وسرقة متحف ملوي بل وحرق محافظة الجيزة. 
ماذا سيحدث بالأيام القادمة؟ بعد إعلان رئاسة الجمهورية عن فرض حالة الطوارئ لمدة شهر مع حظر التجول لعدد من المحافظات المصرية، هو نزول قوات الجيش بكثرة وبكثافة ستؤدي إلى زيادة سيطرة الجيش على كل موارد الدولة وأجهزتها، وبشكل طبيعي سيحافظ الحاكم الفعلي على وجود الإخوان، ففي الفكر العسكري، لابد من وجود العدو، ليبرر وجوده هو شخصياً ويبرر أفعاله بإخراس كل صوت معترض على وجوده بحجة أنهم من معسكر العدو! وبذلك سيستمر حرق المنشآت وتهديد الآمنين بدون تدخل فعلي من الشرطة (التي لم تتدخل من قبل أصلاً) والجيش. وربما تزيد وتيرة الأحداث إلى تفجيرات بأماكن مزدحمة، خاصة مترو الأنفاق. وربما ينتفض إرهابيون بدول عديدة ويأتون إلى مصر (بنفس طريقة دخولهم لسيناء) بدعم أمريكي وسلاح أمريكي لتحويل مصر إلى بحار من الدماء بنفس السيناريو السوري!  
الدستور الجديد كما أشار صديق لي (محمود عرفات) وأنا مقتنع بما قاله، سيشمل رقابة الجيش على الدولة، أي أن الرئاسة ومجلس الشعب سيكونان مجرد ديكور بالنسبة للجيش، حيث لا حاكم حقيقي غير قياداته!
والحل؟ هو أن تفيق القوى المدنية (سواء ليبرالية أو اشتراكية) وتهبط للشارع، وتكف عن التنظير من أمام الكمبيوترات والندوات المغلقة التي لا يتفاعلون فيها إلا مع المؤمنين بأفكارهم، أن يتحركوا وينشروا أفكارهم بالشارع وسط العمال والفلاحين وسط التجار والطبقة الوسطى من هذا الشعب. وإلا، فستظل لعبة الكراسي الموسيقية بين الاخوان والجيش مستمرة إلى قيام الساعة.
وهكذا يا عزيزي القارئ، نحن نمر بدوائر لعينة منذ أن تدخل الجيش في الحكم عام 1952، حيث لا توجد حرية حقيقية أو حتى أي نوع من الحرية. وأذكر في هذا الأمر قول الفيلسوف البريطاني العظيم برتراند راسل " كل من يقدرون لا الفن والعلم فحسب، لكن أيضاً يقدرون كفاية الخبز والحرية من الخوف بأن كلمة طائشة من أبنائهم لمعلم المدرسة قد تحكم عليهم - بالاعتقال-  يجب أن يفعلوا كل ما بطاقتهم للحفاظ على طريقة حياة أقل عبودية وأكثر رخاء ببلدانهم."
ما زلت أثق بضمير الدكتور محمد البرادعي، وبتقديمه استقالته عن الحكومة اليوم، يعني أن الحكومة تسير بالطريق الخطأ وأن تواجده بها أمر لا يسمح بها ضميره.
أما عن نفسي، فأقولها وضميري مرتاح، يسقط يسقط حكم المرشد، يسقط يسقط حكم العسكر، ضد الدكتاتورية أياً كان مصدرها. وحقيبتي جاهزة حال اعتقالي! ولا أخشى على حياتي حال اغتيالي، فبعد الوطن، لا يوجد ما يستحق البكاء!

Sunday, August 11, 2013

الفخ - قصة قصيرة


خرج من منزله، لا يعلم ماذا يفعل، فقد فرغ الطعام والأطفال يتضورون جوعاً، أين يجد الطعام؟ فلم يعد يلقى بالشوارع كما كان يحدث منذ زمن. أخذ يتجول لمدة طويلة باحثاً عن الطعام بأية صورة، حتى ولو كسرة خبز صغيرة تسد جوعه هو وزوجته وأطفاله، ويوقف تلك الأصوات الصادرة عن معدته الخاوية. وبغتة التقط أنفه الحساس رائحة شهية، أخذ يتتبعها بشغف، يمني نفسه بطعام جيد بعد كل هذا الجوع، اقترب بحذر، فهو يعلم كيف يتربص له أعداءه من كل مكان، ونظر من على بعد، فوجد سمكة مشوية شهية تنتظره، ركز نظره بثبات على السمكة، وكاد ينطلق... لولا أنه توقف فجأة ليعيد النظر، ويعيد حساباته. السمكة متواجدة بمنزل كبير، بابه مفتوح، لا يعلم إن كان هذا فخ من أعداءه المتربصين به، أم أنها محض صدفة. أخذ ينظر يمنة ويسرة ويدور حول المنزل لم يجد أحداً، ولم يجد خطراً... انطلق إلى السمكة، وأخذها بحذر... وفجأة اغلق الباب عليه، شعر أنه سجين، وأن لا مفر، أخذ يصرخ ويصرخ، ويضرب الجدران بكلتا قبضتيه ويحاول تحطيمها بأسنانه القوية، لكن أين المفر؟! استسلم لمصيره وأخذ يبكي على فناءه وفناء أولاده الجوعى. 
















في نفس الوقت بحجرة أخرى استيقظت أم محمد ربة المنزل فجأة وهزت زوجها بعنف قائلة : "اصحى يا أبو محمد، المصيدة مسكت الفار." تمت.

القط الأسود - قصة رعب قصيرة


استيقظ أحمد فجأة من نومه والعرق يسيل من جبهته بمنتصف فصل الشتاء، وأخذ يلهث بعنف محاولاً التأكد أنه عاد إلى الواقع وتوقف الكابوس، نظر إلى زوجته النائمة إلى جواره في صمت، وحسدها على نومها الهادئ. شعر بالعطش، فقام من فراشه متجهاً للمطبخ كي يشرب كوب من الماء، حينما أضاء نور المطبخ، توقف مكانه في خوف وذهول، حيث كان على طاولة المطبخ قط فاحم اللون كبير الحجم يشخص إليه بتحد وثبات. حاول أحمد أن يقنع نفسه ربما هالة زوجته هي من أتت به ولم يتسنى لها إخباره، فهو يعلم مدى حبها للقطط. شرب كوب الماء وذهب لينام، وفي الصباح سأل هالة عن القط ومتى ومن أين أتت به، أخبرته أنها لم تأت بأي قط. قلبا محتويات الشقة بحثاً عنه لكنهما لم يجداه. قالت هالة ربما هو قط الجيران وأتى وخرج من شباك المطبخ أثناء نومهما. لم يقتنع أحمد بهذا الأمر، إذ كان شباك المطبخ مغلقاً وإلا كان سيلاحظ تيار الهواء البارد بفصل الشتاء. ذهب إلى عمله ولا يشغل عقله سوى هذا القط ونظرته إليه كأنما بها دونية واحتقار. وصمم أن يبحث عنه هذه الليلة ويوقع به. بعد انتهاء دوامه ذهب لشراء سم وقطعة لحم، قضي ليلته يطهي اللحم وخلطه بالسم ووضعه على الطاولة، وذهب لينام جوار زوجته منتظراً منتصف الليل ليقوم ويذهب إلى المطبخ ليرى إن كانت حيلته قد نجحت. وحينما دقت ساعته معلنة قدوم منتصف الليل قام بهدوء متجهاً للمطبخ فوجد القط جالساً بنفسه نظرته المتحدية فوق الطاولة ولم يمسه، ارتعب أحمد إذ لاحظ نظرة كراهية حقيقية بأعين القط حاول العودة بهدوء والخروج من المطبخ، لكن فجأة أشار القط إشارة غامضة لباب المطبخ فأغلق عليهما. فجحظت عين أحمد في رعب وذهول، لكن القط لم يمهله ووثب عليه.
يشهد الجيران بعد هذه الأحداث أن أحمد أصبح قليل الكلام بلا أي تغيير حقيقي سوى بقرنيتيه اللتين أصبحتا غريبتين كأنهما مشقوقتين، وبعينيه نظرة تحد وثبات وأحياناً تكون مليئة بالكراهية.